الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

381

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يقولون أإنا لمردودون في الحافرة . " الحافرة " : من ( الحفر ) ، بمعنى شق الأرض ، وما ينتج من ذلك يسمى ( حفرة ) ، يقال : حافر الفرس ، تشبيها لحفرة الأرض في عدوه ، و " الحافرة " : كناية لمن يرد من حيث جاء ، كما لو سار إنسان على أرض ، فيترك فيها حفرا لتحمل آثار قدمه ، ثم يعود إلى نفس تلك الحفر ، فالحافرة : تعني الحالة الأولى ( 1 ) . وتستمر الآية في سرد كلامهم : أإذا كنا عظاما نخرة ( 2 ) . فهكذا هو حال ودأب منكري المعاد وعلى الدوام باستفسارهم الدائم حول المعاد ، وبقولهم المعروف : كيف للعظام البالية النخرة والتي تحولت إلى ذرات تراب أن تعود مرة أخرى جسما كاملا ، والأكثر من هذا . . أن تسري فيه الحياة ولكنهم لم يفقهوا إلى أنهم خلقوا من ذلك التراب ، فكيف أصبحوا بهذه الهيئة الحية بعد أن لم يكونوا شيئا ؟ " نخرة " : صفة مشبهة ، من ( النخر ) ، بمعنى الشجرة المجوفة البالية ، والتي إذا دخل فيها الهواء أعطت صوتا معينا ، مثله ( النخير ) ، وعمم الاستعمال ليشمل كل شئ بال في حال تآكل وتلاش . ولا يكتفي منكرو المعاد بحال الاعتراض على ما وعدهم به الباري سبحانه ، بل وتحولوا إلى حال الاستهزاء بأحد أصول دين الله ! : قالوا تلك إذا كرة خاسرة . وثمة احتمال آخر في تفسير هذه الآية يقول : إنهم جادون في قولتهم غير مستهزئين ، لأنهم يعتقدون أن لو كان ثمة عود ورجعة فهي عبث زائد وخاسر ، إذ لو كانت الحياة الطيبة هي التي نعيشها ، فلماذا لا تخلد ؟ وإن كانت سيئة فما فائدة العود ؟

--> 1 - اسم فاعل هنا بمعنى اسم المفعول ، فالحافرة إذا بمعنى المحفورة . 2 - وتقدير الجملة مع محذوفها : ( أئذا كنا عظاما نخرة نرد أحياء ) أو ( أئنا لمبعوثون ) .